بسم الله الرحمن الرحيم
لقد أنعم الله على الإنسان بنعم كثيرة ، لا تعد ولا تحصى لكن في غمرة الحياة وتتالي النعم لا يشعر الإنسان بها ولا يشعر بقيمتها إلا حينما يفقدها ، هكذا نحن جميعنا نتقلب في نعم خالقنا وقد نسينا أو تناسينا شكر النعم ، لأننا لا نشعر بقيمتها ، لكن بمجرد أن يفقد الإنسان ما وهبه الله منها يبدأ يشعر بتلك النعم وقيمتها ,
ومن أهم تلك النعم هي نعمة الصحة
تلك النعمة الكبيرة التي يتنعم الإنسان بها ولكن لا يشعر بقيمتها حقيقة إلا من هم على الأسرّة البيضاء ممن فقدوا تلك النعمة وحرموا منها ، يتقلبون في الألم ويتوقون لتلك النعمة التي سلبت منهم ، يتمنون عودتها ليقوموا بحقها كما يجب , ويرون أن الصحة كنز صعب المنال بعد فقده , فمن حرم الصحة عرف معناها وعرف أهميتها ،
وهذا ما دعاني للكتابة لأنقل لكم جزءًا يسيرًا من واقع من حرموا تلك النعمة ، ولأنقل لكم بعض معاناة من هم على الأسرة البيضاء ممن أمضوا شهوراً عدة عليها يتمنون أن يخرجوا لصخب الحياة ويشعرون بوجودهم في الحياة ، لكن قدر الله جعلهم في هذا المكان ,, كم تتوق أنفسهم أن يعيشوا كما يعيش الأصحاء خارج أسوار المشفى بعيداً عن الأجهزة والعلاجات والفحوصات اليومية المرهقة ، بعيداً عن الهدوء القاتل داخل الممرات والتي لا تسمع فيها سوى وقع أقدام المارة ,,
اسمحوا لي أن أصحبكم لتعيشوا معي يوماً على السرير الأبيض ، لأحكي لكم معاناة أعيشها يوميا ، ويعيشها من حولي ممن يرقدون على الأسرة البيضاء علكم تشعروا بالنعيم الذي تعيشون فيه ..
كثيرا ما كنت أضجر من إزعاج الأطفال في المنزل أو من ضجيج السيارات وكنت أشعر أن الضجيج قاتل وما علمت أن القاتل هو الهدوء المطبق على المكان ,,
لا أخفيكم أن نفسي تتوق كثيرا لذلك الضجيج والذي كنت أكرهه في يوم من الأيام ، لكني حينما فقدته تاقت إليه نفسي ..
لن أحكي لكم عن معاناة الألم ، ولن أحكي لكم عن خيبة الأمل التي تصيبني عند مرور الدكتور بعد خروج نتائج التحاليل والفحوصات ، ولا عن ألمي بمنع الزيارة عني كون المناعة منخفضة لدي ، ولا عن عجزي وحاجتي و جلوسي عدة ساعات أنتظر من يأتي ليقرب لي جهازي لأشارككم ها هنا ، سأتركها لوقت أخر فلا أريد أعكر عليكم الجو
لكني سأحدثكم عمّن اشتاق له ,, عن صغيرتي ومكالماتها اليومية وما تحدثه من ألم بعد كل مكالمة ,, عن ثقل مرور الوقت والروتين اليومي الممل ,,
في بداية دخولي للمشفى كنت أكثر حرية من الوقت الحالي كنت كثيرا ما أخرج لحديقة المشفى لأقضي فيها وقتا طويلا أتأمل وجوه المارة ,, أو أخرج في الممرات لألقى تحية على هذا أو أسال عن أخبار هذا وذاك وحينما يأتي وقت الصلاة يجتمع في استراحة المستشفى من يستطع من المرضى أن يأتي ليصلي أو مرافقيهم ونصلي الصلاة جماعة ، كان ذلك يقطع عليّ جزء كبيراً من الوقت فأوقات فراغي أقضيها خارج غرفتي ..
لكن مع بداية العلاج بدأت المناعة تقل بالتدريج ، ومع الوقت مُنعت عني الزيارة ومُنعت كذلك من الخروج خارج الغرفة والاختلاط بالآخرين خوفا من أن تنتقل إليّ العدوى بدأت تقليل الخروج من الغرفة فلا أخرج إلا لحاجة ماسة ، طلبت من الطبيب أن يسمح لوالدتي بالزيارة فلا يمكن أن أعيش بدون أن أراها حتى وإن كلفني ذلك صحتي فأمي هي أهم عليّ من كل شيء ,, مضت أيامي ثقيلة فلا شيء يمكنني عمله سوى أني حبيس أربعة جدران كل يوم أترقب الباب أنتظر قرب صلاة العشاء فهو وقت حضور والدتي لا تتخيلون مدى سرعة الوقت حال حضورها ، بينما بقية اليوم الوقت بالكاد ينقضي فيه ، لكن الحمد لله على كل حال,,
اشتقت كثيرا للمنزل والاجتماعات العائلية …اشتقت لرؤية الشارع .. اشتقت لقيادة سيارتي ..اشتقت لزحمة شوارع مدينة الرياض .. اشتقت لصغيرتي وشغبها وتعليقاتها البريئة..
ابنة أختي ذات الأربعة أعوام..حبيبتي وقرة عيني..افتقدها كثيرا وتفتقدني هي أيضا.. تبكي وترفض الذهاب لمنزل أهلي ..
في كل مساء تتصل علي..(خالد أنا أحبك خالد متى تجي لبيت يمه،،متى توديني أنا ودحومي للملاهي عشان نلعب،،متى ترجع من السفر خلاص يكفي أنا أبغاك وماما ويمه وكلهم يحبونك ويبغونك تجي البيت بس ليه أنت ما تجي،،سألتها ذات يوم لما ترفض الذهاب لمنزلنا؟!
عاجلتني بقولها ( البيت مو حلو وأنت مسافر إذا رجعت أجي )*,, أصابتني براءتها في مقتل لم أعرف بماذا أجيبها ..؟
آه لو تعلمين يا حبيبتي بمدى ألمي وشوقي إليكِ ,, آه لو تعلمين أني منذ أربعة أشهر وأنا هنا لم أسافر لا يفصلني عن البيت سوى مسافة قليلة ، لكني لا أستطيع العودة للمنزل لا أستطيع لكن أملي بالله كبير فعسى أن تكون العودة قريبا لأسعد بقربك صغيرتي ,, ولأزرع البسمة على شفتيك ,, ولأعوضك أيام غيابي،، لأذهب بك لكل مكان تريدينه،،
صغيرتي كم تعني لي مكالمتها الشيء الكثير رغم أن مكالمتها أصبحت من الروتين اليومي المعتاد ، لكن مع ذلك فأنا أنتظر مكالمتها بفارغ الصبر ..
فساعات اليوم تمر بثقل غريب ،،
أحيانا يراودني أن اليوم أصبح عاما،،
تمر عدة أيام لا أذوق فيها النوم ولو لدقائق،،فلكم أن تتخيلوا ثقل تلك الأيام ،،
كنت أحاول أن أقضي وقتي بقراءة الكتب فهي أنيسي في وحدتي ،،أو أن استمع لأي مادة صوتية أحصل عليها،،وحين أصاب بالملل من القراءة والاستماع ألجأ مشاهدة التلفاز عله أن يخلق جوا جديدا رغم أني كنت أكره المشاهدة لكن الحاجة والفراغ يجعلك تقبل أي شيء حتى الأشياء التي كنت لا تعيرها اهتماما طوال حياتك ستجد نفسك تقوم بها لتقتل الروتين
لا تستغربوا إن قلت لكم أن يصل فيني الحد أن أتابع برامج الأطفال ،،،
فلكم أن تتخيلوا أربعة أشهر تعيشها وحيدا بين أربعة جدران وقد منعت عنك الزيارة لا تخرج منها طوال الوقت،،
حقيقة الوقت ممل وطويل ولا أجد شيئا أستطيع فيه أن أخرج من هذا الجو ، فقد سئمت كل شيء فوسائل الترفية المتاحة كلها أصبحت مملة وضمن الروتين القاتل،،
حاليا تمكنت من وجود متنفس لي ولله الحمد،، فقد تمكنت من توفير جهاز الحاسوب مع اتصال انترنت داخل المستشفى لأرتبط بالعالم الخارجي وأشعر أنني مازلت أعيش في هذه الحياة،،فلا أصعب على الإنسان من أن يعيش بعيدا عن العالم لكن الحمد لله على كل حال ..
هذا هو جزء يسير من حياتي داخل أسوار المستشفى أحببت أن أشرككم معي فيه وأن أبعث من خلال حديثي
رسالتين للأحبة الأولى
رسالة لكل مبتلى أذكركم ونفسي بالصبر ،، فالله الله بالصبر ،، وتذكروا عظم الصبر وجزاء الصابرين ، فقد قال سبحانه وتعالى ” وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون, أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون “.
ولتكن هذه الفترة محطة تتذكرون فيها نعم الله علينا الأخرى التي أنعمها الله علينا ولننظر الجانب المشرق من الابتلاء (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) أسأل الله أن يرفع عنكم وأن يرزقنا وإياكم الصبر على البلاء وأن لا يحرمنا أجر صبرنا …
رسالة أخرى أبعثها لكل صحيح منّ الله عليه بالعافية لتقف مع نفسك قليلا ولتتفكر بنعم الله عليك ولتشكر الله على ذلك وتحمده أن منّ عليك بتلك النعم ..فكم من مبتلى يتمنى لو يعود ساعة لصحته ليؤدي حق تلك النعمة التي لم يشعر بمعناها إلا بعد أن فقدها .. كما أوصيك بأهلك خيرا فهم نعمة رزقك الله بهم لن تشعر بوجودهم وحاجتك لهم إلا حينما تضطر للابتعاد عنهم فلا تدع أهلك يحتاجون لأحد مادمت بينهم فربما يأتيك وقت تتمنى خدمتهم ولا تستطيع فأجعل لهم من وقتك نصيب فهم جنة الدنيا لا حرمك الله بر والديك ورزقك الله شكر النعم …
محبكم
روح متفائل
* وضعت نص المكالمة مع صغيرتي كما هو فلا أجمل من براءة الطفولة
* شكرا بلا حد للغالي The Top والغالي مسك والغاليين غريب -21 و فـHـد